عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

457

اللباب في علوم الكتاب

وإن كان هو الإمامة ، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به ، وكل فاسق ظالم لنفسه ، فوجب ألّا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين . فصل في أنه هل يجوز عقد الإمام للفاسق ؟ قال الجمهور من الفقهاء والمتكلّمين : الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له ، واختلفوا في أنّ الفسق الطّارىء هل يبطل الإمامة أم لا ؟ واحتج الجمهور على أنّ الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها من وجهين : [ الأول : ما بيّنا أن قوله : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » جواب لقوله : « وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » وقوله : « وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » طلب الإمامة الّتي ذكرها اللّه تعالى ، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ، ليكون الجواب مطابقا للسؤال ، فتصير الآية كأنه - تعالى - قال : لا ينال الإمامة الظّالمين ، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه ، فكانت الآية دالّة على ما قلناه ] « 1 » . فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهرا وباطنا ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة . [ قلنا ] « 2 » : أما الشيعة [ فيستدلون ] « 3 » بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهرا وباطنا . وأما نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك إلّا أنا تركنا عبارة الباطن ، فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة . فإن قيل : أليس أن يونس عليه الصلاة والسلام قال : سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] وقال آدم : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] ؟ قلنا : المذكور في الآية هو الظلم المطلق ، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام . الوجه الثاني : أن العهد قد يستعمل في كتاب اللّه بمعنى الأمر ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [ يس : 60 ] يعني : ألم آمركم بهذا ؟ وقال اللّه تعالى : قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا [ آل عمران : 183 ] يعني أمرنا ، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم . إذا ثبت أن عهد اللّه هو أمره فنقول : لا يخلو قوله : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحلّ من يقبل منهم أوامر اللّه تعالى ، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : فالجواب . ( 3 ) في أ : فيشترطون .